علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

264

الممتع في التصريف

فإن قيل : وما الذي حمل الخليل على ادعاء القلب ؟ . فالجواب : أنّ الذي حمله على ذلك كثرة العمل الذي في مذهب سيبويه ؛ ألا ترى أنّ « جائيا » في مذهب سيبويه أصله « جايىء » ثم « جائىء » ثم « جائيء » ثم « جاء » ، وفي مذهب الخليل أصله « جايىء » ، فقلب فصار « جائيء » ثم « جاء » . فمذهب سيبويه فيه زياد عمل على مذهب الخليل . فلذلك تكلّف القلب ، إذ كانوا يقلبون فيما لا يؤدّي فيه عدم القلب إلى اجتماع همزتين ، نحو قولهم « شاك » و « لاث » والأصل فيهما « شائك » و « لائث » . وكلا المذهبين عند سيبويه حسن . ورجّح الفارسيّ مذهب الخليل على المذهب الأوّل ، بأنه يلزم في مذهب سيبويه توالي إعلالين على الكلمة من جهة واحدة ، وهما قلب العين همزة ، وقلب الهمزة التي هي لام ياء . وتوالي إعلالين على الكلمة ، من جهة واحدة ، لا يوجد في كلام العرب إلّا نادرا في ضرورة الشعر ، نحو قوله : وإنّي لأستحيي وفي الحقّ مستحى * إذا جاء باغي العرف أن أتنكّرا « 1 » أصل « مستحى » : « مستحيي » فتحركت الياء الأخيرة ، وما قبلها مفتوح ، فقلبت ألفا فصار « مستحيا » . ثم أعلّوا الياء التي هي عين بنقل حركتها إلى الساكن قبلها ، وقلبها ألفا ، فالتقى ساكنان فحذف أحدهما . ولا يلزم في مذهب الخليل إلّا القلب ، والقلب أكثر ، في كلام العرب من توالي الإعلالين على الكلمة ، حتى إنّ يعقوب قد وضع كتابا في « القلب والإبدال » . وهذا الترجيح حسن ، إلّا أنّ السماع يشهد للمذهب الأوّل . وذلك أنّ من العرب من يقول : « شاك » و « لاث » ، فيحذف العين من « شائك » و « لائث » . ومنهم من يقول « شاك » و « لاث » ، كما تقدّم ، فيقلب . والذي من لغته القلب ليس من لغته الحذف . وكلهم يقول « شائك » و « لائث » . فلمّا وجدنا العرب كلّها تقول « جاء » ، ولا تحذف ، علمنا أنه في لغة الحاذفين على أصله ، إذ ليس من لغتهم القلب ، ومن لغتهم البقاء على الأصل . وأمّا في لغة القالبين في « شاك » و « لاث » فيحتمل أن يكون مقلوبا ، ويحتمل أن يكون باقيا على أصله . فقد حصل إذا ما ذهب إليه سيبويه سماعا . وما ذهب إليه الخليل ليس له من السماع ما يقطع به ، فهو محتمل .

--> ( 1 ) البيت من البحر الطويل ، وهو لابن مقبل في تهذيب اللغة للأزهري ، ولسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي ، مادة ( سمح ) ، ومنتهى الطلب لابن ميمون ص 31 ، وبلا نسبة في التمام لابن جني ص 15 .